الحارث المحاسبي

239

الرعاية لحقوق الله

باب معرفة ما ينال به الحذر من الرياء قلت : قد تبيّن لي أن المعرفة والكراهة مع الإباء إذا اجتمعا انتفى الرياء ، وأنه إنما ينال ذلك بنهيه نفسه بعقله بما استودعه اللّه عز وجل من العلم بضرر عارض الرياء ومنفعة ردّ الرياء عن قلبه في يوم فقره ، وقد قلت : إنهما إذا افترقا لم ينتف الرياء . فكيف لي باجتماعهما ؟ ! ومن أين عزبت المعرفة عني ؟ وبم ينال حتى لا تذهب المعرفة عن العبد عند عارض الرياء ؟ ومن أين عزبت الكراهة بعد المعرفة فلم يستعملها ؟ وبم ينال استعمالها ؟ قال : أما المعرفة فإنما عزبت من النسيان وزوال الذكر . والذكر إنما عزب لعزوب الحذر والاهتمام ، فإذا اهتمّ وحذر تيقّظ وذكر ، وإذا ذكر عرف ما عرض من الرياء . قلت : فبم ينال الاهتمام والحذر ؟ قال : بالعناية . قلت : فبم ينال العناية ؟ قال : بالمعرفة بقدر منفعة الإخلاص في الدنيا والآخرة من ثواب اللّه عز وجل في القلب في عاجل الدنيا ، وثوابه في الآخرة ، بالرضا والجنة ، وضرر الرياء على القلب مما يورثه القسوة والرّين والحبط لعمله غدا في يوم فقره وفاقته ، والتعرض للمقت من ربّه جل وعز ، فإذا عظم قدر ذلك في قلبه عني به ، وإذا عنى به اهتمّ بالقيام بأمر اللّه عز وجل من الإخلاص ، وحذر تضييع أمره فيه